أحمد بن حجر الهيتمي المكي

255

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

معنى قول مالك تحدث للناس أحكام بقدر ما يحدث لهم من الفجور ولسنا نقول تتغير الأحكام بتغير الزمان بل باختلاف الصورة الحادثة . فهذا نهاية ما انشرح صدري له بقتل هذا الرجل له وأما السب وحده ففيه ما قدمته وما سأذكره وإيذاؤه صلى الله عليه وسلم أمر عظيم إلا أنه ينبغي ضابط فيه وإلا فالمعاصي كلها تؤذيه ولم أجد في كلام أحد من العلماء أن سب الصحابي يوجب القتل إلا ما يأتي من إطلاق الكفر من بعض أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة ، ولم يصرحوا بالقتل ، وقد قال ابن المنذر لا أعلم أحدا يوجب القتل بمن سب من بعد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ، نعم حكى القتل عن بعض الكوفيين وغيرهم بل حكاه بعض الحنابلة رواية عن أحمد وعندي أنهم غلطوا فيه لأنهم أخذوه من قولهم شتم عثمان زندقة وعندي أنه لم يرد أن شتمه كفر ، وإلا لم يكن زندقة لأنه أظهرها وإنما أراد قوله المروي عنه في موضع آخر من طعن في خلافة عثمان فقد طعن في المهاجرين والأنصار ، يعني أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أقام ثلاثة أيام ليلا ونهارا يطوف على المهاجرين والأنصار ويخلو بكل واحد منهم رجالهم ونسائهم ويستشيرهم فيمن يكون خليفة حتى اجتمعوا على عثمان فحينئذ بايعه فمعنى كلام أحمد أن شتم عثمان في الظاهر شتم له وفي الباطن تخطئة لجميع المهاجرين والأنصار وتخطئة جميعهم كفر فكان زندقة بهذا الاعتبار فلا يؤخذ منه أن شتم أبي بكر وعمر كفر هذا لم ينقل عن أحمد أصلا فمن خرج من أصحابه رواية عنه مما قاله في شتم عثمان بقتل ساب أبي بكر مثلا لم يصنع شيئا والضابط أن كل شتم قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع من عبد الله بن أبي بكر ومالا فلا كما وقع من مسطح في قصة الإفك ، وفي الحديث الصحيح لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه . وفي حديث رجاله ثقات وإن قال الترمذي إنه غريب . الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه وقوله : أصحابي الظاهر أن المراد بهم من أسلم قبل الفتح وأنه خطاب لم أٍسلم بعده بدليل تفاوت الإنفاق فيه الموافق له قوله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الآية فلا بد من تأويل بهذا أو بغيره ليكون المخاطبون غير الأصحاب الموصى بهم فهم كبار الأصحاب وإن شمل اسم الصحبة الجميع ، وسمعت شيخنا التاج بن عطاء الله متكلم الصوفية على طريق الشاذلية يذكر في وعظه تأويلا آخر هو أنه صلى الله عليه وسلم له تجليات يرى فيها من بعده فهذا خطاب لمن بعده في حق جميع الصحابة الذين قبل الفتح وبعده فان ثبت ما قاله فالحديث شامل لجميعهم وإلا فهو فيمن قبل الفتح ويلحق بهم في ذلك من بعده فإنه بالنسبة لغير الصحابة كالذين بعد الفتح بالنسبة لمن قبله ؛ وعلى كلا التقديرين فالظاهر أن هذه الحرمة ثابتة لكل واحد منهم أي وكلام النووي وغيره صحيح في ذلك ثم الكلام إنما هو في